ابن رشد

264

تهافت التهافت

المسألة الرابعة عشر في تعجيز هم عن إقامة الدليل على أن السماء حيوان مطيع للّه تبارك وتعالى بالحركة الدورية قال أبو حامد : وقد قالوا : إن السماء حيوان وأن لها نفسا نسبتها إلى بدن السماء كنسبة نفوسنا إلى أبداننا . وكما أن أبداننا تتحرك بالإرادة نحو أغراضها بتحريك النفس فكذا السماوات . وإن غرض السماوات بحركتها الذاتية عبادة رب العالمين على وجه سنذكره . قال : ومذهبهم في هذه المسألة مما لا يمكن إنكاره ولا ندعي استحالته فإن اللّه تعالى قادر على أن يخلق الحياة في كل جسم فلا كبر الجسم يمنع من كونه حيا ، ولا كونه مستديرا ، فإن الشكل المخصوص ليس شرطا للحياة إذ الحيوانات مع اختلاف أشكالها مشتركة في قبول الحياة . ولكنا ندعي عجزهم عن معرفة ذلك بدليل العقل وأن هذا إن كان صحيحا فلا يطلع عليه إلا الأنبياء عليهم السلام بإلهام من اللّه تعالى أو وحي . وقياس العقل ليس يدل عليه ، نعم لا يبعد أن يتعرف مثل ذلك بدليل أن وجد الدليل وساعد ولكنا نقول ما أوردوه دليلا لا يصلح إلا لإفادة ظن فإما أن يفيد قطعا فلا . وخيالهم إن قالوا : السماء متحركة وهذه مقدمة حسية . وكل جسم متحرك فله محرك . وهذه مقدمة عقلية إذ لو كان الجسم يتحرك لكونه جسما لكان كل جسم متحركا . وكل محرك : فإما أن يكون منبعثا عن ذات المتحرك كالطبيعة في حركة الحجر إلى أسفل ، والإرادة في حركة الحيوان مع القدرة ، وإما أن يكون المحرك خارجا ولكن يحرك على طريق القسر كدفع الحجر إلى فوق . وكل ما يتحرك بمعنى في ذاته فإما أن لا يشعر ذلك الشيء بالحركة ونحن نسميه طبيعة كحركة الحجر إلى أسفل ، وإما أن يشعر ونحن نسميه إراديا ونفسانيا . فصارت الحركة بهذه التقسيمات الحاصرة الدائرة بين النفي والإثبات : إما قسرية ، وإما طبيعية ، وإما إرادية ، وإذا بطل قسمان تعين الثالث . ولا يمكن أن يكون قسريا لأن المحرك القاسر إما جسم آخر يتحرك بالإرادة أو بالقسر وينتهي لا محالة إرادة ، ومهما أثبت في أجسام السماوات متحرك بالإرادة فقد حصل الغرض ، فأي فائدة في وضع حركات قسرية وبالآخرة لا بد من الرجوع إلى الإرادة . وإما أن يقال أنه يتحرك بالقسر واللّه هو